الشيخ الطبرسي
105
تفسير مجمع البيان
وأقول : إن الذي عندي في ذلك ، أن جواز وقوع العصيان منها ، هو السبب في إباحة الخلع ، ورفع الجناج إنما تعلق بالخلع ، لا بأسبابه . والوجه الأول أولى بالاختيار ، وأشد ملاءمة لظاهر الآية . والوجه الأخير مرغوب عنه ، لعدوله عن سنن الاستقامة ، إذ لا يكون الاثنان واحدا في الحقيقة . ( فيما افتدت به ) أي : بذلت من المال . واختلف في ذلك : فعندنا إن كان البغض منها وحدها ، وخاف منها العصيان ، جاز أن يأخذ المهر وزيادة عليه . وإن كان منهما ، فدون المهر . وقيل : إنه يجوز الزيادة على المهر والنقصان من غير تفصيل ، عن ابن عباس وابن عمر ورجاء بن حياة وإبراهيم ومجاهد . وقيل : المهر فقط ، عن ربيع وعطا والزهري والشعبي ، ورووه عن علي . والخلع بالفدية على ثلاثة أوجه أحدها : أن تكون المرأة عجوزا أو دميمة ( 1 ) ، فيضار بها الزوج لتفتدي نفسها ، فهذا لا يجل له الفدا لقوله : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ) الآية والثاني : أن يرى الرجل امرأته على فاحشة ، فيضار بها لتفتدي نفسها ، فهذا جائز وهو معنى قوله : ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) . والثالث : أن يخافا ألا يقيما حدود الله لسوء خلق ، أو قلة نفقة من غير ظلم ، أو نحو ذلك ، فيجوز لهما جميعا الفدية على ما مر تفصيله . ( تلك حدود الله ) أي : أوامره ونواهيه ، وما نصب من الآيات في الخلع والطلاق والرجعة والعدة . ( فلا تعتدوها ) أي : فلا تجاوزوها بالمخالفة . ( ومن يتعد حدود الله ) أي : يتجاوزها بأن يخالف ما حد له . ( فأولئك هم الظالمون ) . واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع ، لأنه قال : ( الطلاق مرتان ) ، ثم ذكر الثالث على الخلاف في أنها قوله ( أو تسريح بإحسان ) أو قوله ( فإن طلقها ) . ومن طلق ثلاثا بلفظ واحد ، فإنه لم يأت بالمرتين ، ولا بالثالثة ، كما أنه لما أوجب في اللعان أربع شهادات ، فلو أتى بالأربع بلفظ واحد ، لما أتى بالشروع ، ولم يحصل حكم اللعان ، وكذلك لو رمى في الجمار بسبع حصيات دفعة واحدة ، لم تجزئ عنه ، بلا خلاف ، وكذلك الطلاق . ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح
--> ( 1 ) أي : قبيحة .